محمد بن جرير الطبري
74
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي القول الذي قاله السدي من أن الرجل المؤمن كان من آل فرعون ، قد أصغى لكلامه ، واستمع منه ما قاله ، وتوقف عن قتل موسى عند نهيه عن قتله ، وقيله ما قال ، وقال له : ما أريكم إلا ما أرى ، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ، ولو كان إسرائيليا لكان حريا أن يعاجل هذا القائل له ، ولملئه ما قال بالعقوبة على قوله ، لأنه لم يكن يستنصح بني إسرائيل ، لاعتداده إياهم أعداء له ، فكيف بقوله عن قتل موسى لو وجد إليه سبيلا ؟ ولكنه لما كان من ملا قومه ، استمع قوله ، وكف عما كان هم به في موسى . وقوله : أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله يقول : أتقتلون أيها القوم موسى لان يقول ربي الله ؟ فأن في موضع نصب لما وصفت . وقد جاءكم بالبينات يقول : وقد جاءكم بالآيات الواضحات على حقيقة ما يقول من ذلك ، وتلك البينات من الآيات يده وعصاه ، كما : 23384 حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق وقد جاءكم بالبينات من ربكم بعصاه وبيده . وقوله : وإن يك كاذبا فعليه كذبه يقول : وإن يك موسى كاذبا في قيله : إن الله أرسله إليكم يأمركم بعبادته ، وترك دينكم الذي أنتم عليه ، فإنما إثم كذبه عليه دونكم وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم يقول : وإن يك صادقا في قيله ذلك ، أصابكم الذي وعدكم من العقوبة على مقامكم على الدين الذي أنتم عليه مقيمون ، فلا حاجة بكم إلى قتله ، فتزيدوا ربكم بذلك إلى سخطه عليكم بكفركم سخطا إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب يقول : إن الله لا يوفق للحق من هو متعد إلى فعل ما ليس له فعله ، كذاب عليه يكذب ، ويقول عليه الباطل وغير الحق . وقد اختلف أهل التأويل في معنى الاسراف الذي ذكره المؤمن في هذا الموضع ، فقال بعضهم : عني به الشرك ، وأراد : إن الله لا يهدي من هو مشرك به مفتر عليه . ذكر من قال ذلك : 23385 حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب : مشرك أسرف على نفسه بالشرك .